عدد الزيارات منذ 1 / 1 / 512532010
تواصلوا مع المركز عبر سكايب
  • الحوار الزوجي مع الدكتورة ألين غصن    انقر هنا
  • اللقاء الثالث للإعداد للزواج    انقر هنا
  • والمونسينيور شربل أنطون في حديث حول الزواج ومفاعيله القانونية    انقر هنا
  • شهادة حياة أنطوان وفريال صليبا    انقر هنا
  • Live Broadcast - Session 02 - Part 2    انقر هنا
  • Live Broadcast - Session 02 - Part 1    انقر هنا
  • Live Broadcast - Session 01    انقر هنا
  • بدأ الموسم الجديد لدورات الأعداد للزواج 2018-2019    انقر هنا
المحاضرات   >    الزواج المسيحي والحياة الأخلاقية الرجوع

الزواج المسيحي والحياة الأخلاقية

الخوري طوني الخوري

مقدمة

باتت الحياة الزوجية في أيامنا مهدّدة في سلامتها وسلامة الأسرة، بسبب المفهوم الخاطئ للجنس ولاستقلال الأزواج في ما بينهم، ومن جرّاء عقلية معادية للإنجاب، وبنتيجة إمّحاء المُثُل التقليدية في المجتمع، ووسائل الإعلام، والنظرة المغلوطة إلى الحرية، وفقدان القيم القائمة على الحياة والحب البشري والعائلة، وإفساد الضمائر خلافاً لتعليم الكنيسة ولرسوم الشريعة الإلهية.

أمام هذا الواقع، لا بدّ من تصحيح النظرة إلى الإنسان في مختلف أبعاد تكوينه.

1-الإنسان كائن عاقل:

يُعلن الكتاب المقدس منذ صفحاته الأولى الحقيقة التالية: الإنسان كائن مميز يسمو على الكائنات جميعاً ويختلف عنها. وترتكز هذه الحقيقة على كون الإنسان مخلوقاً على صورة الله كمثاله (تك1\27)، يشارك ككائن عاقل وحرّ في نور العقل الإلهي[1]، وتجتذبه الحكمة الإلهية بعذوبة العقل وقوّته إلى البحث عن الخير والحقّ ومحبّتهما [2](المرجع نفسه15\1). وبواسطة هذه القوّة العقلية المستنيرة بالوحي الإلهي يعطي الإنسان مفهوماً لحياته أولاً ومن ثمَّ لأفعاله ومواقفه، ويستطيع أن يوجّهها ويضبطها، ويتحكّم بها وخاصّة عندما يتعلّق الأمر بجسده.

ومن هنا نرى أنّ النزعة الجنسية في الإنسان، خاضعة بشكل أساسي للإرادة والوعي، وهي بخلاف الإعتقاد السائد الذي يعتبر الرغبة الجنسية في الإنسان إضطرارية وملحّة.

2-الإنسان كائن جسداني-روحاني

وإن كان الجسد الإنساني يشبه بتركيبته البيولوجية، إلى حدٍّ بعيد، الجسد الحيواني، فلا يمكن والحالة هذه، اعتبار الجسد الإنساني جسداً حيوانياً ولا تحديده بمجرّد أعضاء تؤدي وظائف بيولوجية وواجب طبيعي محدّد ينتهي بانتهاء الدافع إلى هذه الحاجة.

يقول الكتاب المقدس" وجعل الرب الإله الإنسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة فصار الإنسان نفساً حيّة"(تك2\7)، يعيش بروحٍ هي من الله. وهذا يعني أن كيانه الإنساني مكوّنٌ لا من جسدٍ وحسب، بل ومن نفسٍ روحيةٍ أيضاً، فلا يمكن بالتالي فصل الجسد عن الروح.

إنطلاقاً من هذا المبدأ الكتابي، لا يمكننا الكلام عن علاقة جنسية بالمعنى الصرف عندما يُرغب بالجنس من أجل الجنس، وحيث الجنس هو المطلب الوحيد، دون الأخذ بعين الاعتبار الرابط الروحي في هذه العلاقة. فالإنسان لا يقوم بالعلاقة الجنسية بأعضاء جسده فقط بل وبروحه أيضاً. وهذا ما كتبه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني:"ولمّا كان الإنسان روحاً متجسّداً، أي نفساً تعبّر عن ذاتها في جسد، وجسداً تحييه نفسٌ خالدة، فقد دُعي إلى الحبّ بكلّيته الموحّدة. أي بجسده وروحه"[3].

 

3-الإنسان كائن متكامل:

"وسلّط الله سُباتاً عميقاً على آدم وأخذ منه ضلعاً وخلق حوّاء… فقال آدم، هذه المرأة لحمٌ من لحمي وعظمٌ من عظامي"(تك2\18-19). هذه الكلمات المأخوذة من نص الخلق تكشف عن العلاقة الوثيقة التي تشدّ الرجل إلى المرأة، والمرأة إلى الرجل: " فحين يأخذ الله جزءاً من جسم الرجل، من أقرب أعضاء الجسم إلى القلب، هذا يعني أن المرأة جزء أساسي من الرجل، وهو يشتاق إليها حتى يعيدها إلى مكانها، يشتاق إلى الإتحاد بها ليكونا إنساناً كاملاً وجسداً واحداً"[4]دائم الإتحاد. آدم يصرخ: ماذا يمكن أن أكون، أن أُصبح بدونك؟ إنك نصف كياني، نصف هذا الكلّ الذي نكونه منذ الآن بدون انفصام.

إلا أن هذا التكامل لا يجب أن يُفهم كتماثل وتطابق. فالإنسان يقف أمام شخص آخر، غيره، ككيان مستقل ومتميّز ومختلف. "وهذا الإختلاف هو شرط أساسي للتكامل بينهما، فبدونه لا مجال للأخذ والعطاء. ولو خلق الرجل والمرأة متشابهين تماماً لما حدث أي انجذاب بينهما، فالإنسان لا ينجذب لحقيقة مشابهة له، بل على العكس نجده مشدوداً لعنصر يفتقده ويجده في الآخر"[5]. ويحيا معه وبفضله في تبادل الكلمة أنا \ أنت،  وفي تبادل الحبّ لأن الإنسان هو الوحيد من بين مخلوقات الأرض الذي يُحب وفي الوقت نفسه بحاجة إلى مَن يُحبّه.

4-الإنسان كائن مُجَنَّس

إن الإنسان متأثر في العمق بالجنس، الذي يُعتبر كأحد العوامل الأساسية التي تُميّز حياة كلّ فرد. "في الواقع إن الشخص البشري يتلقى من الجنس الخصائص البيولوجية والنفسية والروحية، التي تكوّن منه رجلاً أو امرأة وتشترط تقدّمه بوفرة نحو النضج والانصهار في المجتمع"[6]. ويمكننا القول إن الجنس يصبح كل لقاء وكل نشاط إنساني، ويتعدّى بكثير العلاقة الجنسية في حدّ ذاتها، فهو ليس مجرّد غريزة بيولوجية، بل حقيقة وجودية تلوّن جميع علاقات الحياة ومجالاتها، فالإنسان يحيا في المجتمع وأمام الله والعالم، كرجل أو كإمرأة. والجنس "يميّز الرجل والمرأة ليس فقط على الصعيد الجنسي، بل ايضاً على الصعيد النفسي والروحي، ويطبع كل تصرّف عندهما"[7]، ويُستعمل "كتقدمة ذات جسدية يبلغ حقيقته ومدلوله في العطاء الزوجي المتبادل"[8].

وهكذا نفهم "أن الجنس يتّصل بعمق الشخص البشري، وليس شيئاً بيولوجياً صرفاً، إنه جزء لا يتجزّأْ من الواقع ومن طاقة الحب التي وضعها الله في الرجل والمرأة. وهو عنصر أساسي في الشخصية: في وجودها وإظهار ذاتها والاتصال بالآخرين وشعورها بالحب البشري وبالتعبير عنه وبعيشه[9]… وإن الحياة الجنسية البشرية سرّ مقدّس، لذا لا يجوز ابتذال الجنس وإزالة طابع السر عنه، بل الاحترام الكبير للفرق، من هذا القبيل، بين الرجل والمرأة الذي يعكس الحبّ والخصب الإلهي[10].

5-الطاقة الجنسية والعلاقة بين الزوجين

تؤكد الوثيقة الحبرية" الإنسان والجنس:حقيقة ومدلول"،"أنه بالحب الزوجي يختصّ العطاء الجنسي الذي هو جزء لا يتجزأ من الحب الذي به يلتزم الرجل والمرأة بالآخر التزاماً كاملاً، حتى الموت. حينئذٍ يغدو الحب الزوجي قوة تُغني وتُغذي حضارة المحبّة. أما خارج إطار الزواج، فيضيع معنى العطاء الجنسي، وتنشأ حضارة الأشياء لا الأشخاص التي يُستخدم فيها الأشخاص كالأشياء، وتُصبح المرأة في نظر الرجل غرضاً، ويصبح الأولاد عبئاً يُزعج الوالدين (فقرة 11و14).  وهنا بالذات بإمكاننا التحدّث عن علاقة جنسية خاطئة داخل إطار الزواج. قد يتعجّب البعض لاعتبارهم أن الممارسة الجنسية في الزواج صحيحة مهما كان الدافع. كلا. فعندما يمار س طرفٌ من الطرفين العلاقة الجنسية مع الآخر إنطلاقاً من هدف أناني بعيداً كلَّ البعد عن الحبّ، ويهدف فقط إلى إشباع رغبة جنسية أنانية فيه، عندئذٍ تنحرف الطاقة الجنسية عن تأدية وظيفتها وتكون خطيئة.   وهذه النقطة تميّز المسيحية عن بقية الشرائع؛ فالإنسان يستطيع أن يمارس الجنس في الزواج ويكون طاهراً، لأن هذا الفعل في نظره هو تعبير عن حبّه لزوجته، ويجوز أن يمتنع عنه إذا شعر أن الدافع له هو شهوة أو رغبة محض ماديّة.

6-الإنحرافات الجنسية والعفة الزوجية

الإنحراف الجنسي هو عمل يتنافى والقاعدة الأخلاقية والإنسانية للسلوك البشري في موضوع الجنس.  والخطيئة الرئيسية في هذا المجال تكمن في التعدّي على الشريعة الإلهية والشريعة الأدبية التي تُقرّها الكنيسة، كما وفي البحث عن اللذة الفردية والأنانية الذاتية: لأن الجنس في هذه الحالة، يتوقف عن أن يكون اتصالاً بين الأنا والأنت، ليصبح انزواءً وتقوقعاً فردياً تتوقف فيه مسيرة تبادل العطاء، لتتحوّل إلى عمل يفرض على "الأنت" أن يُسخّر لإشباع شهوة "الأنا".

في هذه الحالة يُجرّد الجسد من قدسيته ومعناه وميزته و"يُمسي مجرد كتلة مادية ومجموعة أعضاء ووظائف وطاقات لا تُستعمل إلاّ وفقاً لمقاييس اللذة والفاعلية. وبالنتيجة يمسي الجنس هو أيضاً عارياً من طابعه الشخصي، وخاضعاً للإستغلال: فبدلاً من أن يكون علاقةً ومكاناً ولُغةً للحُب، أي لبذل الذات والإنفتاح على الغير في كل غنى شخصيته، يُمسي فرصةً ووسيلة لتثبيت الأنا وإشباع الغرائز"[11].

7-العفة الزوجية وقداسة الزوجين

الإنحرافات الجنسية تعطب الحب، لكن سر الفداء يشفيه بفضيلة العفة الذي يجعل ممارستها ممكنة لدى المتزوجين والعازبين والمكرّسين.

والعفة" فضيلة أدبية وموهبة من الروح القدس كفيلة بحماية الحب من أخطار الإنانية والعدوانية، وتبلغ به إلى تحقيق ذاته تحقيقاً كاملاً، في وحدة داخلية بين كيان الشخص الجسدي وكيانه الروحي…إنها تحرّر الحب من النزوة والإنحراف، وتجعل الإنسان سيد نفسه، قادراً على امتلاك ذاته وهبتها. العفة تعلّم كيف ينتبه الإنسان للغير، ويتّصل بهم محترماً ما يحقّ لهم من كرامة، ويرى فيهم أشخاصاً أهلاً للإحترام…وتقتضي التمرّس في ضبط النفس، بنبذ الأفكار والأقوال والأعمال المشينة، وبالسعي إلى تجنّب ظروف الإغراء والدافع إلى الخطيئة، وإلى السيطرة على نزوات الطبيعة الغريزية[12].

العفة الزوجية هي إدراك الزوجين أن حبّ الله حاضر في حبّهما، ولهذا يعيشون عطاءهم الجنسي في احترام الله وقصد حبّه، وفي التجاوب مع وصاياه:"إن كنتم تحبّوني تحفظون وصاياي"(يو14\1)، وفي الأمانة والإحترام والسخاء نحو القرين ونحو الحياة التي قد تكون ثمرة حبّهم. وهي أفضل وسيلة لتربية الأولاد على الحبّ الطاهر وقداسة الحياة.

خاتمة

نقرأ في الكتاب المقدّس:" أيها الرب أبو حياتي وإلهُها، لا تتركني ومشورة شفتي. لا تدعني أطمح بعينيَ والهوى اصرفه عنّي. لا تملكني شهوة البطن ولا الزنى، ولا تسلّمني إلى نفس وقحة"(سيراخ23\4-6).

 

 

المراجع:

  • المجمع الفاتيكاني الثاني؛ الكنيسة في عالم اليوم، فقرة 22\2 .
  • البابا يوحنا بولس الثاني؛ إرشاد رسولي في وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام،جلّ الديب – لبنان، سنة 1981 ، 166 ص.
  • الأب هنري بولاد اليسوعي؛ أبعاد الحبّ، دار المشرق، بيروت، طبعة ثالثة، 2002، 208ص.
  • كوستي بندلي؛ الجنس ومعناه الإنساني، منشورات النور،طبعة ثالثة سنة 1980، 374 ص.
  • مجمع العقيدة والإيمان؛ دستور في بعض الأسئلة المتعلّقّة بالخلقية الجنسية، 29\12\1975.
  • المجلس الحبري من أجل العيلة؛ الإنسان والجنس حقيقة ومدلول(توجيهات من أجل التربية في العيلة)،منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جلّ الديب-لبنان، 1995، 121ص.
  • البابا يوحنا بولس الثاني؛ إنجيل الحياة، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جلّ الديب-لبنان، سنة 1995،214.

 

[1] المجمع الفاتيكاني الثاني، الكنيسة في عالم اليوم، فقرة 22\2.

[2] المرجع ذاته فقرة 15\1.

[3] البابا يوحنا بولس الثاني، في وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم، فقرة 11.

[4] أ.هنري بولاد اليسوعي، أبعاد الحب، دار المشرق، ص87.

[5] المرجع ذاته ،ص79.

[6] مجمع العقيدة والإيمان، دستور في بعض الأسئلة المتعلّقة بالخلقية الجنسية، 29\12\1975.

[7] المجلس الحبري من أجل العيلة، الإنسان والجنس حقيقة ومدلول، فقرة 13.

[8] المرجع ذاته، فقرة3.

[9] المرجع السّابق، فقرة 13.

[10] المرجع ذاته، فقرة 12.

[11] البابا يوحنا بولس الثاني، إنجيل الحياة، فقرة 23.

[12] المجلس الحبري من أجل العيلة، الإنسان والجنس حقيقة ومدلول،3فقرات -7، 16-18.