عدد الزيارات منذ 1 / 1 / 512432010
تواصلوا مع المركز عبر سكايب
  • الحوار الزوجي مع الدكتورة ألين غصن    انقر هنا
  • اللقاء الثالث للإعداد للزواج    انقر هنا
  • والمونسينيور شربل أنطون في حديث حول الزواج ومفاعيله القانونية    انقر هنا
  • شهادة حياة أنطوان وفريال صليبا    انقر هنا
  • Live Broadcast - Session 02 - Part 2    انقر هنا
  • Live Broadcast - Session 02 - Part 1    انقر هنا
  • Live Broadcast - Session 01    انقر هنا
  • بدأ الموسم الجديد لدورات الأعداد للزواج 2018-2019    انقر هنا
مواضيع   >    السلطة الوالدية الرجوع

 

السلطة الوالدية

الخوري طوني الخوري

مقدمة

السلطة الوالدية، عنوان الموضوع الذي سيأخُذُ حيّزاً من تفكيرنا هذا المساء لِما له من أهميّة بالغة في التربية وإدارة الحياة العائليّة. لا شكّ من أنَّ للعبارة وقعٌ غير مُستَحبّ، لا سيّما في الزّمن الحاضر حيث التوجّه إلى تعظيم الحريّة المُطلَقة والإستقلاليّة والخصوصيّة يأُخُذُ منحىً خطيراً، وذلِك منذ سنوات العمر الأولى، فلكلّ طفلٍ غُرفته الخاصّة به وحاجيّاتِه... الأمر الذي أدّى إلى أنّ عائلات كثيرة أخذت تشكو الحيرة والقلق، وحتّى الإحباط، أمام ما عليها من واجبات تجاه أبنائها. وما يُكَبِّر الهوّة بين الوالدين وأبنائهم، ويُصَعّب المهمّة على الأوّلين، هو هذا الجو من التحرّر الذي تُغَذّيه العلمنة بِكُلِّ ما تحمِل في طيّاتها من انحطاط وترويج لثقافة الموت والرفض والتفلّت من القيود العائليّة والقيَم الإجتماعية والثقافية والأخلاقيّة والدينيّة.

كيف نفهُم السلطة الوالدية وكيف تُمارس بشكلٍ متوازن، وما هي علاقتها بالنمو الإنساني، وما هو الحدّ الفاصل بينها وبين الحرية؟ أسئلةٌ تُراودُ كُلّ شخصٍ مِنّا، وسنسعى إلى الإجابة عليها من خلال الآتي.


ما معنى السلطة الوالدية؟

السلطة الوالدية هي مجموع حقوق الوالدين[1]على أولادهم. والمقصود بالحقوق،في معنّى أوّل، واجبات الوالِدين تِجاه أولادِهم، وهي واجبات تتأتى من دعوة الأزواج الأساسيّة إلى الإشتراك في عمل الله الخلاّق[2] من خلال فعل الإيلاد البشري. إنَّ فعل الإيلاد البشري هذا، الذي يتمّ في الزواج المقدّس، يُولي الوالدين سُلطة جوهرية على أولادهم لا بديل عنها، ولا بَديل عنهم فيها، إذ لا يجوز تكليف الآخرين بها بكاملها ولا انتزاع الآخرين لهذا الواجب.

وفي معنى ثانٍ، تعني عبارة "حقوق الوالدين على أولادِهم" القُدرة عليهم"، لا بِالمعنى المادّي للكلمة، وإنّما بالمعنى القانوني لها. القُدرة تعني هُنا الإستئثار بالشخص،  وحريّة التصرّف في شأنه بِما يعود بالفائدة عليه.


لقد أنجبنا طفلاً

ترتبط السلطة الوالدية بالأبوة والأمومة، إذ لا سُلطة بِدون أولاد ذلِك أنّ السلطةَ هي عليهم. والأبوّة والأمومة هُما أبعد من عملية إنجاب طفل بطريقة بيولوجية، وإنّما هما عملية مُتابعة وتربية. فَمن حقّ الطفل على والِدَيه العنايةَ بِهِ بحيثُ تُحاط كرامته الشخصيّة بتقدير خاصّ وتحظى حقوقه باحترام كبير ورِعاية أكيدة، كائناً مَن كان هذا الطفل؛ ذَكراً أم أُنثى، مريضاً أم مُعافى، قاصِراً أم مُعوَزاً أم متألِّماً أم مُعاقاً. فما يُميِّزُ العائلة المسيحيّة تمييزاً جوهريّاً، "إنما هو قبولها كلّ ولَد يُبصِرُ النّور ومحبّته وتقديره والعناية بِه عنايَة مُوَحَّدة ومُتعدّدة الأشكال: ماديّة وعاطفيّة وتربويّة وروحيّة. وهكذا يُسهِم الأولاد فيما ينمون" في القامة والحكمة والنّعمة عند الله والنّاس"(لو2\52)، إسهاماً قيّماً في بِناء الشّراكة العائليّة وفي تقديس والديهم"[3].


السلطة الوالدية دعمٌ لنمو الأولاد

السلطة الوالدية هي، إذاً، عملية تعزيز ودعم لنمو الأولاد منذ الطفولة وحتّى سنّ البلوغ. فالوالدين، "بإيلادهم في الحُبّ ومن الحُبّ إنساناً جديداً يحملُ في ذاتِه دعوة إلى النمو والتطوّر، يأخذون على عاتقِهم مهمّة مُساعدته مُساعدةً فعّالة على أن يحيا حياةً إنسانيّة كاملة"، يستطيع  من خلالِها أن يصل إلى ملء نموّه الجسدي والعاطفي والإجتماعي والعقلي والأخلاقي والديني.

أ‌- النمو الجسدي: يفترض تأمين المتطلّبات الأساسية للحياة؛ الغذاء المُناسب، والمنزل والنظافة والطبابة...

ب‌- النمو العاطفي: يُساهِم في تحديد المشاعر الخاصّة وفهمها، وفهم مشاعر الآخرين وقراءتها بشكلٍ دقيق، وحُسن إدارة ما يشعرون بِه، ووضع طريقة مُحدّدة للتصرُّف، وتنميّة التعامل الودّي مع الآخرين وبناء علاقات جيّدة معهم. وهُنا يدخُل العامل الجنسي وطريقة التعامُل مع الطاقة الجنسيّة والجسد.

ت‌- النمو العقلي: يُساهِم بِه العلم والثقافة والتوعيّة. يفترض النمو العقلي "تزويد الطفل بقوة عقلية تساعده في تحقيق نموه المتكامل، وهذا يُوجب تَيسير الخبرات التي تسمح بنمو التفكير، والإحاطة بمصادر المعرفة وتقييمها واختيار المفيد منها واستخدامه استخداماً بناءً يدعم النمو العقلي وحاجاته الأساسية"[4].

ث‌- النمو الإجتماعي: يَصل إليه الطفل من خلال التفاعل مع المُحيط الإجتماعي؛ مع والديه أوّلاً تُمَّ مع أشقائه وشقيقاتِه، فأقربائه، فالصّغار والكبار في البيت والمدرسة والمُجتمع، أضف إلى ذلك الإنفتاح على الجنس الآخر. وهنا تكمن أهميّة التوجيه الإيجابي في مرحلة الإكتساب ونمو الشخصيّة.

ج‌- النمو الأخلاقي: يتمّ من خلال التمرّس على القيَم الإجتماعية والأخلاقيّة والدينيّة والإنسانيّة، التي يُشَكّل الوالدون مرآتها الحقيقيّة وروحها وقاعدتها[5].

ح‌- النمو الديني: يفترض معرفة العقائد الأساسية للدين المسيحي، ويُساهم بِه التثقيف الديني والحياة الأسرارية والصلاة ، وتُزينه التربية على فضيلتي الطهارة والعفّة؛ فالأسرة هي المدرسة الأولى للفضائل الدينيّة والأخلاقية الإجتماعية الضرورية لكلّ مُجتمع.

إنّ اكتساب النمو المُتعدِّد الأوجه يدخل ضمن إطار ما يُسمّى بحقّ الطفل على والديه، وفي هذا السياق، أُحَوِّلكم إلى شُرعة حقوق العيلة الصادرة عن الكرسي الرسولي لِمعرفة ما عليكم وعلى العائلة من حقوق وواجبات.


بين أهلٍ وأهل ! 

بين أهلٍ وأهل ترتسم الخطوط العريضة لمستقبل الأولاد. وفي هذا المجال يتحدّث علم النفس عن عدّة نماذج من الأهل، يُقابِلها عدّة نماذج من الأطفال:

أ‌-  الأهل المُستبدّون: هُم الذين يقولون"لا" لِكلِّ شيءٍ. والنتيجة هي أولاد لا مُبالين.

ب‌- الأهل المُتساهلون: هم الذين يقولون"نعم" لكلِّ شيء. والنتيجة هي أولاد مُنتفضين (الولد بحاجة إلى أن يُدرك الخطّ الفاصل بين الخير والشّر، القباحة والجمال، ومن غير الطبيعي أن يوضع الخير والشرّ في خانة واحدة).

ت‌- الأهل الغائبون: ليسوا موجودين ليقولوا "لا" أو "نَعم"ـ والنتيجة كارثيّة على الأولاد لأنَّ السلطة الوالدية هي أساس في تكوين إنسان ناضج ومُتّزن.

ث‌- الأهل المتوازنون: هُم الذين يعرفون متى يقولون "لا" ومتى يقولون "نعم". الأهل هُنا يدعمون بعضهم بعضاً في قراراتهم. والنتيجة هي أولاد ناضجون، متعاونون، واثقون ومُتحاورون.




السلطة الوالدية وحُريّة الأبناء 

"ما عدت قادراً على أولادي"، "أطفال اليوم غير أطفال البارحة"، هذا ما يتردَّد في الأوساط العائلية والعامّة. ولكن ما الذي اختلف بين البارحة واليوم؟. أعتقد أنّ الإجابة على هذا السؤال صعبة وتفترض دراسة سوسيولوجية، ولكنّي أعتقد بأنّ ميزان التوازن داخل العائلة هو الوالِدَين، وأعتقد أيضاً بأنَّ غيابهما عن المنزل بداعي العمل، أو تنازلهما عن واجب التربية بداعي وجود خادمة تُساعد، أو باسم العلمنة والتحرّر، قد فرض حالة من اللاتوازن في المجتمع وأدّى إلى ما أدّى إليه من انفجار، ما زالت أثارُه محدودة بعض الشيء في لبنان، ولكنّه سيُزلزل المُجتمع في المُستقبل القريب إن لَم يرجع الولدون إلى ذواتهم ويهتمّوا فعلياً ببناء أُسرة قويّة، مُتماسِكة، قادرة على تخطّي التحديات المُختلفة التي قد يواجهها الأولاد في المجتمع المتطوّر.

- العمل مُقدّس ولكن ليس على حِساب الأولاد.

- الخادمة قد تكون ضرورية في بعض الأحيان ولكن ليس للتربيّة. فالأهل هُم المُربّون الحقيقيّون الذي لا يُمكن الإستعاضة عنهم

- الحرية[6] ضرورة ولكنّها تُعطى تدريجيّاً وليس مرّة واحدة لئلاّ يُساء استخدامها.

إذا أُخِذت هذه الثلاثة بعين الإعتبار، تستطيع العائلة أن تكون مقدِس الحُب والحياة والتربية والمكان الذي يَمُرّ من خلاله مُستقبل البشرية.


شرِكة وتعاون

السلطة الوالدية الصحيحة هي التي تتمّ بالشراكة الكاملة بين الرجُل والمرأة. فالأب عليه أن يلعب دورهُ في القيادة والإعالة والحِماية والإنضباط والنشاطات العائلية بالتناغم الدائم مع الأمّ. إنَّ أيّ غيابٍ لدور الأب من شأنه أن يُوَلِّد الإحساس لَدى الأطفال بأنَّ والدهم ليس الزعيم المناسب.  على الأب أن يكون أباً وعلى الأمّ أن تكون أُمّاً. إنَّ اختلاط الأمور على الأطفال من شأنّه أن يؤَثِّر تأثيراً سلبيّاً على شخصيّة الأولاد وسلوكهم. فالأمّ هي التي تُنجِبُ وتُرَبّي بالشراكة التّامة مع الأب.  ولكنّها لا يجب أن تأخُذ دور الأب وليس على هذا الأخير أن يأخُذ دورها.


خاتمة

أريد أن أتوجّه إليكم بالقول، لا تخافوا من  مُمارسة سُلطتكم الوالدية، بل خافوا من عدم مُمارستها بشكلٍ فعّال ومتوازن، لأنَّ أبناءكم سيُسائلونَكم يوماً ما عن تقاعُسِكم تجاهَهم. وأعلَموا أنّ كُلّ سُلطة تُعاش بطريقة سليمة تكون من الله.

 

[1] أهم حقوق وواجبات السلطة الوالدية هي : إرضاء الأولاد. إعالتهم وحفظهم عند والديهم والمطالبة بهم ضد كل مستأثر بهم وانتزاعهم منه واستلامهم واجبارهم على السكن في البيت الوالدي. تربيتهم تربية دينية وأدبية وجسدية مدنية بنسبة حال أمثالهم. تأديبهم ومعاقبتهم عند الاقتضاء، لكن برفق ودون إذاء. الموافقة أو عدمها على اختيارهم حالة العيش (التزوج أو الكهنوت أو الترهب) وانتقاء المهنة بما فيه مصلحتهم دون إكراه ولا منع كيفي. الانتفاع باستخدامهم لمصلحة العائلة. إدارة واستغلال أموالهم وأملاكهم والانتفاع بها لمصلحة العائلة إلا إذا كانت هذه الأموال والأملاك أعطيت لهم لغايات معينة أو بشروط تتنافى مع هذا الحق، كأن تكون أعطيت لهم لاقتباس مهنة معينة أو على أن تسلم اليهم عند بلوغهم الرشد مع فوائدها وأرباحها. وفي كل حال تجب المحافظة على عين أموال الصغير ودفع ما يترتب عليها من ديون وضرائب وفوائد. النيابة عنهم وتمثيلهم في العقود والمعاملات لدى المحاكم وفقاً لأحكام المادة 1648 من الحق القانوني الكنسي. تعيين وصي مختار عليهم.

[2] البابا يوحنا بولس الثاني، في وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم، فقرة36.

[3] البابا يوحنا بولس الثاني، في وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم، فقرة26.

[4] ناديا متّى فخري، النمو العقلي والنمو الأخلاقي عند المراهقين، مجلة الجيش، العدد229، تمور2004.

[5] "إنّ حُبّ الوالدين الذي كان ينبوعاً يُصبِح روحاً وقاعدة تُحرّك وتُسيّر كلّ نشاط تربوي عملي وتُغنيه بهذه القيَم وهي الرّقّة والثبات والطّيبَة والخدمة والتجرّد وروح التضحيَة التي هي أثمن ثِمار الحُبّ"(وظائف العائلة المسيحية، فقرة36).

[6] هي حرية كل ما هو صالِح وحقّ وجميل. "والأهلُ كحرّاس هذه الحرية، ومن خلال إعطائهم أولادهم الحريّة تدريجيّاً، يُدخلونهم إلى فرح الحياة الحقيقي"، (البابا بندكتوس السادس عشر، خطاب بمناسبة لقاء العائلات العالمي الخامس، فالنسياـ  8تموز2006).